قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي

477

الخراج وصناعة الكتابة

ومما يجب على الملك الاجتهاد في رياضة نفسه على كتمانه أن يبدو في وجهه الغم أو الغيظ أو الرضا أو الفرح آثار يعرف بها ما عنده منها فإنه لا عيب على الملك أعيب من أن يوقف على ما في نفسه من غير ارادته ويطلع على ضميره من غير اختيار فان ذلك مما لو باح به إلى انسان فنمه واطلع عليه أحدا فباح « 13 » به لوجبت معاقبته عليه فكيف به إذا ترك التحرز من حال يعاقب عليها غيره ويتصور من أمر لا يرضاه من سواه وهذا أيضا مما إذا قوى الانسان على ضبطه وتأتي للتحفظ منه دل على حصانته وأبان عن رجاحته وأنبأ عن بعد الديانة فيما يأخذ به ، ويعطي ويحكم به ويقظي لم يكن ملوما ولا مذموما ولو بلغ من العقوبات غاياتها ومن الأمور الشاقة إلى غاياتها « 14 » وإذا عدل عن ذلك مع احسان وترقيه واجمال فيما يأخذ به لم يسلم من عائب يتوجه له من عيبه ما لا ينكره لكثر الناس ولا يرون مخالفته ولو ذهب واحد من الناس ان يعيب الملك وهو على سنن الشريعة كان كالعائب لهم جملة والراد لما في أيديهم عامة فليلزم الدين الذي هو اس " لملكه وعمادة لسلطانه ولا يلتفت إلى ما سواه من اجمال يعتمده واحسان يقصده وهو مخالف للدين وغير موافق له ، وليراع الملك فيما يراعيه من أمور رعيته خلة الكريم وفاقته وليحرص على ذلك منه وازالته وكذلك فليتأمل بطر السفلة بالجدة وطغيانهم بالثروة وليقصد لابطال ذلك وقمعه وازالته وحسم سببه فان من الأمثال السائرة والوصايا السالفة « انه ينبغي أن يستوحش من جوع الكريم وشبع اللئيم » .

--> ( 13 ) في الأصل : فيباح به وأثبتنا ما في س . ( 14 ) في س : إلى غاياتها .